السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
119
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ تفريع على قوله في الآية السابقة : « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » فمن عدم شمول الهداية الإلهية لحالهم - وهو الضلال - مسارعتهم فيهم واعتذارهم في ذلك بما لا يسمع من القول ، وقد قال تعالى : « يُسارِعُونَ فِيهِمْ » ولم يقل : يسارعون إليهم ، فهم منهم وحالون في الضلال محلهم ، فهؤلاء يسارعون فيهم لا لخشية إصابة دائرة عليهم فليسوا يخافون ذلك ، وانما هي معذرة يختلقونها لأنفسهم لدفع ما يتوجه إليهم من ناحية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمؤمنين من اللوم والتوبيخ بل انما يحملهم على تلك المسارعة توليهم أولئك ( اليهود والنصارى ) . ولما كان من شأن كل ظلم وباطل أن يزهق يوما ويظهر للملإ فضيحته ، وينقطع رجاء من توسل إلى أغراض باطلة بوسائل صورتها صورة الحق كما قال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » كان من المرجو قطعا أن يأتي اللّه بفتح أو أمر من عنده فيندموا على فعالهم ، ويظهر للمؤمنين كذبهم فيما كانوا يظهرونه . قوله تعالى : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ لفظة « عسى » وإن كان في كلامه تعالى للترجّي كسائر الكلام - على ما قدمنا أنه للترجي العائد إلى السامع أو إلى المقام - لكن القرينة قائمة على أنه مما سيقع قطعا فإن الكلام مسوق لتقرير ما ذكره بقوله « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » وتثبيت صدقه ، فما يشتمل عليه واقع لا محالة . والذي ذكره اللّه تعالى من الفتح - وقد ردد بينه وبين أمر من عنده غير بيّن المصداق بل الترديد بينه وبين أمر مجهول لنا - لعله يؤيد كون اللام في « الفتح » للجنس لا للعهد حتى يكون المراد به فتح مكة المعهود بوعد وقوعه في مثل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ( القصص / 85 ) وقوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ ( الفتح / 27 ) وغير ذلك .